السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
489
مفاتيح الأصول
وإن منع ذلك فلا إشكال فتأمل السّادس ما ذكره في الغنية فقال علي أن في الأخبار ما لا مضرة في ترك العمل به كالمتضمّنة للإباحة الخارجة عن الحظر والإيجاب فمن أين لهم وجوب العمل بها انتهى وفيه نظر فإن أخصية الدّليل من المدعى غير قادحة هنا لإمكان التّتميم بالإجماع المركب فتأمل السّابع ما ذكره في النّهاية فقال في بحث القياس في مقام الاعتراض على الحجة المذكورة الثّالث متى يجب الاحتراز عن الضّرر إذا أمكن تحصيل العلم به أولا الأوّل ممنوع والثّاني مسلَّم فإن الشيء إذا أمكن تحصيل العلم به قبح الاكتفاء فيه بالظن لأنه إقدام على ما لا يؤمن فيه الخطاء والقبح مع إمكان الاحتراز عنه وهو قبيح إجماعا أمّا إذا لم يمكن تحصيل العلم به فإنه يكفي الظن وإنما يجوز الاكتفاء بالظن في مسائل الشرع إذا بنيتم عدم طريق العلم فيها فإنما يصحّ لو ثبت انتفاء ما يدلّ عليها في الكتاب والسّنة ولا وجد إمام معصوم يعرفنا تلك الأحكام إذ على تقدير ثبوت أحدها يحصل تعيّن الحكم سلمنا عدم طريق العلم لكن لم قلت إنه لم يوجد طريق ظن أقوى من ظن القياس إذ بتقديره يكون القول بالقياس قولا بأضعف الظنين مع التمكن من الأعلى وهو غير جائز وأجيب عنه بالمنع من اشتراط الرّجوع إلى الظن في الشّرعيات بعدم التمكن من العلم فإنه إذا حصل الظن الغالب بسبب القياس باشتمال أحد الطرفين على المفسدة والآخر على المصلحة ففي مدة استقصاء طلب العلم لا بدّ وأن يرجح أحد الطَّرفين على الآخر لامتناع ترك النقيضين وصريح العقل يشهد بأنه لا يجوز ترجيح المرجوح على الرّاجح فتعيّن ترجيح الرّاجح وهو الجواب أيضا عن الإمام المعصوم وفيه نظر للإجماع على أن تسويغ العمل بالظن مشروط بعدم العلم فلا يتوجه المنع عليه ومفسدة استقصاء الطلب هي مدّة النّظر وهو غير مكلف بالفعل حينئذ فينتقض بما إذا شهد أحد الشاهدين وانتظر الآخر فإن الظن حاصل ولا يجوز الحكم ومنها ما تمسّك به في النّهاية لحجيّة الاستصحاب فقال بعد الإشارة إلى أنه يفيد الظن وأمّا وجوب العمل بالظن فلقوله عليه السلام نحن نحكم بالظاهر انتهى وفيه نظر فإنّ الرّواية ضعيفة سندا أو دلالة فلا تصلح للحجّية ومنها أنّ التتبع في كتب الأصحاب وملاحظة سيرتهم يفيد أن كون بنائهم على أصالة عدم حجيّة الظن وإن وجد في عبارات جملة ما يدلّ على خلاف ذلك ويؤيد ما ذكرناه كلام الشّهيد في الذكرى وجدي البهبهاني رحمه الله فإن الأول قال قد كان الأصحاب يعملون بما يجدونه في شرائع الشيخ أبي الحسن بن بابويه عند إعواز النصوص لحسن ظنهم به وأن فتواه كروايته وبالجملة ينزل فتاويهم منزلة روايتهم وقال الثّاني في رسالة الاستصحاب إن فقهاءنا نراهم يعتمدون على ظنونهم في مقامات إثبات الأحكام أي ظنّ يكون وأي رجحان حصل لهم من غير أن يكون على حجيّة ذلك الظن إجماع قطعي أو آية أو حديث ومن غير إشارة منهم إلى مأخذ حجيّة ذلك الرّجحان نعم لا يعملون بالقياس وما هو مثله وممّا ورد المنع عنه شرعا بخصوصه أو اتفقوا على عدم اعتباره مثل إثبات الحكم بالرّمل والنّجوم وأمثالهما مع أنا نعرف يقينا أن الطريقة المعهودة بين الشّيعة عدم أخذ الحكم الشّرعي من أمثال هذه الظَّنون وأنها أجنبية بالنّسبة إلى الشرع بخلاف الاستصحاب لما عرفت ثم قال ومع ذلك مشاهد محسوس أن المدار الآن على الظنون والبناء إنما هو عليها حتى الذي ينكر حجيّة كلّ ظن للمجتهد ليس مداره إلا عليها وإن كان ينكر باللَّسان وقال في رسالة وبالجملة رفع اليد عن الظنون بالمرّة يوجب رفع الشرع بالمرة وتحقق إجماع يقيني على اعتبار خصوص ظن نفينا اعتباره في تحقق الشرع لنا غير معلوم وأيضا المدار في أمثال هذه الأزمان على الظَّنون والأخباريون أيضا يقولون الظاهر أن الحديث كان أو أن المراد كذلك وأمثال ذلك وليس على كل واحد واحد دليل من الكتاب والسّنة كما لا يخفى انتهى فقد تقدم الإشارة إلى ما ذكر أيضا وفيه نظر فتأمل ومنها ما أشار إليه في النهاية فقال في مقام ذكر حجج حجيّة خبر الواحد الثالث عشر صدق الواحد في خبره ممكن فلو لم نعمل به لكنا تاركين لأمر اللَّه تعالى وأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ثم قال واعترض بأن صدق الرّاوي وإن كان ممكنا فلم قلتم بوجوب العمل والاحتياط بالأخذ بقوله وإن كان مناسبا ولكن لا بد له من شاهد بالاعتبار ولا شاهد له سوى الخبر المتواتر وقول الواحد في الفتوى والشهادة ولا يمكن القياس على الأول لإفادته العلم فلا يلزم من إفادته الوجوب إفادة الظنّ له ولا على الثاني لأن براءة الذّمة معلومة وهي الأصل وغاية قول المفتي والشاهد إذا غلب على الظن صدقه مخالفة البراءة الأصلية بالنظر إلى شخص واحد ولا يلزم من العمل بخبر الشاهد والمفتي مع مخالفة البراءة الأصلية بالنظر إلى شخص واحد العمل بخبر الواحد المخالف لبراءة الذمة بالنظر إلى جميع الأشخاص انتهى وهذا الاعتراض قد ذكره في الإحكام ثمّ قال وإن سلَّمنا صحّة القياس فغايته أن يفيد ظنّ الإلحاق وهو غير معتبر في إثبات الأصول كما تقدم كيف وإنه منقوض بخبر الفاسق والصّبي إذا غلب على الظنّ صدقه انتهى وأشار إلى ما ذكره من الاعتراض في المختصر وشرحه للعضدي أيضا وينبغي التنبيه على أمور الأوّل الظاهر أنّه لا خلاف بين الأصحاب في أنه لا يجوز العمل بالظن حيث يتمكن من تحصيل العلم بالحكم الشرعي كما أشار إليه في النهاية فقال الإجماع واقع على أن تسويغ العمل بالظن مشروط بعدم العلم انتهى ويعضد ذلك العمومات الدّالة على عدم جواز العمل بالظن من الكتاب والسنة ولا فرق في ذلك بين أصول الدّين وفروعه فليس الأصل فيها حجية الظن كما أشار إليه في المعالم فقال في جملة كلام له أمّا مع إمكان تحصيل